صديق الحسيني القنوجي البخاري

26

فتح البيان في مقاصد القرآن

ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي بسبب علمكم ، قيل يحتمل هذا وجهين : الأول : يكون تبشيرا بدخول الجنة عند الموت . والثاني : أن يكون ذلك لهم في الآخرة . ولا ينافي هذا دخول الجنة بالتفضل كما في الحديث الصحيح « سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله ، قيل ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » « 1 » وقد قدمنا البحث عن هذا . هَلْ يَنْظُرُونَ هذا جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينزل عليهم ملكا من السماء يشهد على صدقه في ادعاء النبوة فقال : هل ينظرون في تصديق نبوتك إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ بالتاء والياء سبعيتان الْمَلائِكَةُ شاهدين بذلك . ويحتمل أن يقال إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم اللّه بقوله : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ أي عذابه في الدنيا المستأصل لهم ، أو المراد بأمر اللّه القيامة ، والمراد بكونهم ينظرون أنهم ينتظرون إتيان الملائكة أو إتيان أمر اللّه على التفسير الآخر أنهم قد فعلوا فعل من وجب عليه العذاب وصار منتظرا له . وليس المراد أنهم ينتظرون ذلك حقيقة فإنهم لا يؤمنون بذلك ولا يصدقونه قيل أو مانعه خلو فإن كلّا من الموت والعذاب يأتيهم ، وإن اختلف الوقت . وإنما عبر بأو دون الواو إشارة إلى كفاية كل واحد من الأمرين في تعذيبهم كما افاده أبو السعود . كَذلِكَ أي مثل فعل هؤلاء من الاصرار على الكفر والتكذيب والاستهزاء فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من طوائف الكفار فأتاهم أمر اللّه فهلكوا وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بتدميرهم بالعذاب فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بما ارتكبوه من القبائح وفيه أن ظلمهم مقصور عليهم باعتبار ما يؤول إليه فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا أي أجزية أعمالهم السيئة أو جزاء سيئات أعمالهم معطوف على فعل الذين من قبلهم وما بينهم اعتراض وَحاقَ أي نزل بِهِمْ على وجه الإحاطة والحيق لا يستعمل إلا في الشر ، قاله البيضاوي فلا يقال حاقت به النعمة بل النقمة . قاله الشهاب ما أي العذاب الذي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أو عقاب استهزائهم .

--> ( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الرقاق باب 18 ، والمرض باب 19 ، ومسلم في المنافقين حديث 71 - 73 ، 75 ، 76 ، 78 ، وابن ماجة في الزهد باب 20 ، والدارمي في الرقاق باب 24 ، وأحمد في المسند 2 / 235 ، 256 ، 264 ، 319 ، 326 ، 344 ، 386 ، 390 ، 452 ، 466 ، 469 ، 473 ، 482 ، 488 ، 495 ، 502 ، 509 ، 514 ، 519 ، 524 ، 537 ، 3 / 52 ، 337 ، 362 ، 6 / 125 .